المسجد النبوى

هو من المساجد التي يشد الرحال إليها ، كيف لا ! وهو المسجد المبارك الذي أسس بنيانه النبي الكريم صلوات الله تعالى وسلامه عليه ، وقد بنى يدا بيد مع المسلمين بناؤه الطاهر ، وهو مركز الدعوة الأولى إلى الله تعالى ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ، مسجدي هذا والمسجد الأقصى والمسجد الحرام ). روى ابن حبان وأحمد الطبراني بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق ). تأسيس المسجد النبوىوصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء، مهاجراً من مكة المكرمة في 12 ربيع الأول، من عام 622م. وبعد أن مكث فيها عدة أيام، توجه على ناقته القصواء إلى المدينة المنورة، تحفه جموع المسلمين من المهاجرين والأنصار، فبركت الناقة في أرض ليتيمين من بني النجار تقع في وسط المدينة، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما.
وكان في الأرض قبور للمشركين وخِرَب ونخل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل فقطع. واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البقعة لتكون مسجداً يجتمع المسلمون فيه لأداء صلواتهم وعباداتهم، وشرع مع أصحابه في بنائه، فاستغرق ذلك عدة شهور، وكان اتجاه القبلة يومئذ إلى بيت المقدس في الجهة الشمالية منه.
كان بناء المسجد من اللَّبِن وسعف النخيل، وأما سقفه فمن جذوع النخل، وقد بلغ طوله: 35م، وعرضه: 30م، وارتفاع جدرانه: 2م، ومساحته الكلية: 1060م2 تقريباً، وله ثلاثة أبواب: الباب الأول: في الجهة الجنوبية. الباب الثاني: في الجهة الغربية، ويسمى باب عاتكة، ثم أصبح يعرف بباب الرحمة.
الباب الثالث: من الجهة الشرقية، ويسمى باب عثمان، ثم أصبح يعرف بباب جبريل. وكانت إنارة المسجد تتم بواسطة مشاعل من جريد النخل، توقد في الليل .
تحويل القبلة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر أو ثمانية عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته إلى الكعبة قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام.ط
وكان يكثر الدعاء والابتهال إلى الله عز وجل من أجل ذلك، فاستجاب الله له، قال تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّماء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ وحيثُ ما كُنْتُم فَولُّوا وجوهَكُم شَطْرَه، وإِنَّ الذين أُوتُوا الكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أنه الحقُّ من ربهم، وما اللهُ بغافلٍ عَمًّا يعملون} [البقرة: 144]. وكان ذلك ـ حسب أغلب الروايات ـ في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة.
ويروى أن ذلك كان في صلاة ظهر، وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ركعتين، فلما نزلت آية تحويل القبلة استدار مع المسلمين تجاه الكعبة وصلى الركعتين الباقيتين، وكانت صلاة العصر من هذا اليوم أول صلاة كاملة صلاها تجاه الكعبة المشرفة.
وبعد تحويل القبلة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجراءات اللازمة في مسجده الشريف، فأغلق الباب الكائن في الجدار الجنوبي ـ جدار القبلة الحالية ـ وفتح بدلاً منه باباً في الجدار الشمالي ـ جدار القبلة سابقاً.
في تحول المسلمين إلى الكعبة وانصرافهم عن بيت المقدس طعن السفهاء من المشركين وأهل الكتاب وقالوا: ما وَلاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فنـزل قوله تعالى: {سيقول السفهاءُ من الناس ما وَلاَّهُم عن قبلتهم التي كانوا عليها قُلْ لله المشرقُ والمغربُ يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم} [البقرة: 142]. الروضة الشريفةأفضل ما في المسجد النبوي الشريف الروضة الشريفة قال صلى الله عليه وسلم :( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ). وروى أحمد عن أبي هـريرة رضي الله عنه قـــول النبي صلى الله عليه وســلم :( بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ، ومنبري على حوضي ). وروى أحمد عن سهل بن سعد مرفوعا :(( منبري على ترعة من ترع الجنة )) ، وفيه المحراب والمنبر والأساطين وأيضا من الأماكن المفضلة الحجرة النبوية الشريفة ، وهي الحجرة التي سكنها النبي الكريم صلوات الله تعالى وسلامه عليه وأزواجه المطهرات وتقع الحجرة بجوار مسجده صلى الله عليه وسلم وفيها قبره عليه الصلاة والسلام وقبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

أعلى

آداب الزيارة

ينبغي للزائر عندما يتوجه إلى المدينة المنورة أن يكثر من الصلاة والسلام على النبي ويسأل الله تعالى أن ينفعه بزيارته وأن يتقبلها منه ويقول: (اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وارزقني في زيارة نبيك (صلى الله عليه وسلم) ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك واغفر لي وارحمني يا خير مسؤول).
فإذا وصل إلى باب مسجده (صلى الله عليه وسلم) فليقدم رجله اليمنى بالدخول واليسرى في الخروج. يدخل فيقصد الروضة الكريمة (ما بين المنبر والقبر وفرشها لونه أخضر وفرش المسجد كله أحمر) فيصلي تحية المسجد ثم يأتي القبر الشريف ويقف قبالة وجهه الشريف (صلى الله عليه وسلم) على نحو أربعة أذرع من جدار القبر الشريف تأدباً ثم يسلم بدون أن يرفع صوته عالياً بل يكون بين السر والجهر، تأدباً معه (صلى الله عليه وسلم).
ويقول الزائر بحضور قلب وغض طرف وصوت وسكون جوارح وإطراق: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا خيرة خلق الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر عباد الله الصالحين، جزاك الله يا رسول الله أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أمته، وصلى الله عليك كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك عبده ورسوله، وأمينه وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق حهاده). (ومن ضاق وقته عن ذلك أو عن حفظه فليقل بعض هذه الصيغة المذكورة). وإن كان أحد أوصاه بالسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيقول: (السلام عليك يا رسول الله من فلان ابن فلان). ثم يتأخر عن يمينه قدر ذراع فيسلم على سيدنا أبي بكر رضي الله عنه فيقول: (السلام عليك يا خليفة رسول الله، السلام عليك يا صاحب رسول الله في الغار، السلام عليك يا رفيقه في الأسفار، السلام عليك يا أمينه على الأسرار، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، اللهم ارض عنه وارض عنا به). ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع فيسلم على سيدنا عمر رضي الله عنه فيقول:
(السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا من أيد الله به الدين، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، اللهم ارض عنه وارض عنا به). ثم يعود إلى الروضة الشريفة ويكثر فيها من الصلاة والدعاء. الصلاة في المدينة يستحب أن يصلي الصلاة كلها في المسجد النبوي الشريف, عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام). الخروج من المدينة والسفريستحب للزائر إذا أراد الخروج والسفر أن يودع المسجد النبوي بركعتين ويدعو بما أحب ثم يأتي الحضرة الشريفة فيسلم كما سلم أولاً ويدعو بإلحاح و تضرع ويودع النبي (صلى الله عليه وسلم) ويقول: (اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بحرم رسولك (صلى الله عليه وسلم) ويسر لي العود إلى الحرمين سبيلاً سهلة بمنك وفضلك وارزقني العفو والعافية في الدنيا والآخرة وردنا سالمين غانمين إلى أوطاننا آمنين. ويقول: (غير مودع يا رسول الله)

أعلى

كيف اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم؟

في صحيح مسلم أن أنسًا- رضي الله عنه- أخبر: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عُمَر، كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته:
1- عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة.
2- عمرة من العام المقبل في ذي القعدة.
3- عمرة من جعرانة، حيث قسَّم غنائم حنين في ذي القعدة.
4- عمرة مع حجته. العمرة الأولى من هذه الرواية عن أنس يتبين أنه عدّ عمرات النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعًا على أساس أن عمرة الحديبية التي صده المشركون عنها قد حُسِبت؛ فالنبي والمسلون قد نَوَوها، ثم حُوصِروا؛ فتحللوا منها، ونية المؤمن أبلغ من عمله. العمرة الثانية يُسمِّيها العلماء عمرة القضاء أو عمرة القصاص؛ فالتسمية الأولى باعتبارها قضاء عن عمرة الحديبية، والتسمية الثانية باعتبارها قصاصًا عن صد المشركين للنبي- صلى الله عليه وسلم- وصحبه- رضوان الله عليهم- وفيها نزل قوله تعالى: "الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاص…" البقرة 194
وكان موقفًا مشهودًا حين دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون مكة بعد سبع سنين طوال، وتجمع الرجال والنساء والصبيان في مكة وتزاحموا؛ ليروا هذا النبي القائد يحيط به المهاجرون والأنصار، وأثار هذا التجمع الحسد والبغض والغيظ لدى بعض أئمة الكفر، فخرجوا إلى الجبال حتى لا يروا هذا الموقف العظيم، وتناقل بعض المغرضين أخبارًا كاذبة عن أحوال المسلمين، وزعموا أن حُمّى يثرب وهنتهم، وأنهم أصابهم الهزال والضعف.
فلما دخل الرسول - صلى الله عليه وسلم - المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى، ثم قال: رحم الله امرءًا أراهم اليوم من نفسه قوة. ثم استلم الحجر الأسود وخرج يهرول ويهرول معه أصحابه، حتى إذا واراه البيت من المشركين المحدقين به واستلم الركن اليماني مشى حتى الحجر الأسود. العمرة الثالثة هي عمرة الجعرانة في ذي القعدة من العام الثامن، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما فتح مكة في رمضان حدث أن جمعت قبيلة هوزان جيشا كبيرًا لمطاردة المسلمين وملاحقة النصر المؤزر الذي توج جهاد المسلمين.
وعرف هذا اليوم في تاريخ السيرة بيوم حنين، وقصته مشهورة في القرآن والسنة.
قال الله تعالى: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنودًا لم تروها وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين. التوبة 25-26. وشاهت وجود الكفار، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، ولما انهزم المشركون أتوا الطائف وعسكر بعضهم بأوطاس، فسار إليهم الرسول بنفسه، وحاصرهم، ثم واصل مسيرته الطاهرة المطهرة إلى الطائف، وقاتل بنفسه، وكان أول من رمي في الإسلام بالمنجنيق، رمي به أهل الطائف، وخلال عودته عسكر بالجعرانة ومعه السبي والغنائم وحصلت عنذئذ عملية التقسيم بين المجاهدين، وخرج الرسول صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ليلاً معتمرًا، فدخل مكة وقضى عمرته ثم أصبح بين أصحابه بالجعرانة، ولذا خفيت هذه العمرة على كثير من الناس حتى أنكرها ابن عمر. العمرة الأولى هي التي أداها الرسول مع حجة الوداع.
والملاحظة على هذه العمرات للنبي صلى الله عليه وسلم أنها وقعت في ذي القعدة، حتى العمرة التي كانت مع حجة الوداع، نواها في ذي القعدة وأداها في ذي الحجة، أي أنها كلها وقعت في أشهر الحج.
وفي ذلك مخالفة لأهل الجاهلية الذينيرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. وهناك رواية عن ابن عمر يذهب فيها إلى أن النبي صلي الله عليه وسلم اعتمر واحدة في رجب، وقد أنكرها العلماء، كما ردتها السيدة عائشة رضي الله عنها.
كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة، وإنا لنسمع ضربها بالسواك تستن فقلت: يا أبا عبد الرحمن، اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ـ في رجب؟قال : نعم قلت لعائشة: أي أمتاه ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول اعتمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم في رجب فقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري ما اعتمر في رجب، وما اعتمر من عمرة إلا وإنه معه قال: وابن عمر يسمع فما قال لا ولا نعم، سكت هذا وربما يتساءل البعض: لماذا لم يعتمر الرسول في رمضان، مع ما للعمرة فيه من شأن خاص؟
ففي صحيح مسلم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار، ما منعك أن تحدي معنا؟ قالت: لم يكن لنا إلا ناضحان (الناضح : هو البعير يستقي عليه الماء)، فحج أبو ولدها وابنها على ناضح، وترك لنا ناضحًا ننضح عليه. قال: فإذا جاء رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل حجة.
والجواب ـ كما قال ابن القيم في أحد رأييه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشتغل في رمضان من العبادات بما هو أهم من العمرة، ولم يكن يمكنه الجمع بين تلك العبادات في رمضان، مع ما في ترك ذلك من الرحمة بأمته والرأفة بهم، فإنه لو اعتمر في رمضان لبادرت الأمة إلى ذلكـ وكان يشق عليها الجمع بين العمرة والصوم، وربما لا تسمح أكثر النفوس بالفطر في هذه العبادة حرصًا على تحصيل العمرة وصوم رمضان فتحصل المشقة فأخرها إلى اشهر الحج، وقد كان يترك كثيرًا من العمل وهو يحب أن يعمله خشية المشقة عليهم

أعلى

البقيع

على مر العصور، كان البقيع ذا منزلة خاصة ومميزة في قلوب وعقول المؤمنين المخلصين، وهذه المنزلة تمثل احتراما وتكريما ووفاءً لمن صنعوا تاريخ ومجد الإسلام؛ حيث دُفنوا في هذه البقعة؛ فأصبحت مقبرة مقدسة تهفو إليها قلوب الذين يشتاقون إليها.
والبقيع هو المقبرة الرئيسة لأهل المدينة المنورة منذ عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ومن أقرب الأماكن التاريخية إلى مبنى المسجد النبوي حاليًا، ويقع في مواجهة القسم الجنوبي الشرقي من سوره، وقد ضُمت إليه أراض مجاورة وبني حوله سور جديد مرتفع مكسو بالرخام. وتبلغ مساحته الحالية مائة وثمانين ألف متر مربع.
يضم البقيع رفات الآلاف المؤلفة من أهل المدينة، ومن توفي فيها من المجاورين والزائرين أو من نقل جثمانهم على مدى العصور الماضية، وفي مقدمتهم الصحابة الكرام. ويروى أن عشرة آلاف صحابي دفنوا فيه، منهم أمهات المؤمنين زوجات رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، عدا خديجة وميمونة، كما دفنت فيه ابنته فاطمة الزهراء، وابنه إبراهيم، وعمه العباس، وعمته صفية، وحفيده الحسن بن علي، وغيرهم كثير.
وتشير المصادر التاريخية أن أول من دفن في تلك البقعة الطاهرة -وكانت بستانا يحوي أشجارا من العوسج- هو الصحابي الجليل عثمان بن مظعون؛ حيث شارك الرسول (صلى الله عليه وسلم) بنفسه في ذلك، ثم دفن إلى جانبه إبراهيم بن الرسول (صلى الله عليه وسلم)؛ ولذلك رغب المسلمون فيها وقطعوا الأشجار ليستخدموا المكان للدفن.
وقد وردت أحاديث عدة في فضل البقيع، وزيارة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) له والدعاء لمن دفن فيه، منها: أن رسول الله كان يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد". وورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "أنا أول من تنشق عنه الأرض -يوم القيامة-فأكون أول من يبعث، فأخرج أنا وأبو بكر وعمر إلى أهل البقيع فيبعثون، ثم يبعث أهل مكة فأحشر بين الحرمين".
وعن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة أنها قالت: خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات ليلة فأرسلت بريرة في أثره لتنظر أين ذهب، قالت فسلك نحو بقيع الغرقد فوقف في أدنى البقيع ثم رفع يديه ثم انصرف؛ فرجعت إليَّ بريرة؛ فأخبرتني، فلما أصبحت سألته فقلت: يا رسول الله أين خرجت الليلة فقال: بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم.
من السنة أن يقول الزائر عندما يصل إلى البقيع: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل البقيع الغرقد، اللهم اغفر لنا ولهم"

أعلى

مسجد قباء

لمسجد قباء أهمية كبيرة فقد أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة عندما وصل المدينة مهاجراً من مكة ، وشارك الصحابة في بنائه ، وإليه – على أصح الأقوال – يشير سبحانه وتعالى في قوله : (( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين )) ، وسمي بقباء لوقوعه في منطقة قباء في الجنوب الغربي للمدينة على بعد خمسة كيلومترات ، وقباء في الأصل اسم لبئر عرفت به المنطقة ، وكانت قبلتهم أول ما أسس إلى بيت المقدس واستمرت على ذلك 16 شهراً ثم حولت القبلة إلى مكة فأراد المسلمون ترميم المسجد ومنه القبلة الجديدة فجاء إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فخط القبلة وشاركهم في بنائه وجبريل يؤم به البيت الحرام فلذلك قيل أنه أقوم قبلة .
وقد أهتم الخلفاء والأمراء عبر العصور المتلاحقة بمسجد قباء اهتماماُ بالغا فجدده عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم وسعه عمر بن العزيز أيام الوليد بن عبد الملك ونمقه ونقشه بالفسيفساء ، وجعل له رحبة وأروقة ومئذنة وهي أول مئذنة تقام فيه ويبلغ ارتفاعها 50 ذراعاً ، ثم جدده أبو يعلى الحسني سنة 435هـ ، كما جدد عمارته جمال الدين الأصفهاني سنة 555هـ ، وجدد الناصر بن قلاوون سنة 733هـ، ثم جدد غالب سقفه الأشرف برسباني سنة 884هـ ، وفي سنة 877هـ سقطت منارته ثم جددت سنة 881هـ ، وفي عهد الدولة العثمانية جدد عدة مرات أخرها زمن السلطان عبد المجيد ، وفي العهد السعودي لقي مسجد فباء عناية كبيرة ، ففي سنة 1388هـ رمم ترميماً شاملاً وجددت جدارنه الخارجية وزيد فيه من الجهة الشمالية ، وفي عام 1405هـ أمر خادم الحرمين الشريفين بإعادة بنائه ومضاعفة مساحته عدة أضعاف مع المحافظة على معالمه التراثية بدقة ، وجعل له أربع مآذن في أركان المسجد الأربعة متطابقة في الشكل بارتفاع 47متراً عوضاً عن مئذنته الوحيدة وكسيت أرض المسجد ومساحته بالرخام العاكس للحرارة وظللت الساحة بمظلة آلية صنع من الألياف الزجاجية لوقاية المصلين من حرارة الشمس ، وتم تكييف المسجد بأجهزة تكييف مركزية . وقد خصص الجزء الشمالي من المسجد للنساء ، وهو مكون من دورين مساحتها 750م وله مداخل منفصلة عن مصلى الرجال والذي تبلغ مساحته 5035 متر مربع .
وفي الجهة الشرقية بني ملحق للخدمات يشتمل على 168موضأة و64حماماً للرجال و43موضاةللنساء و 22حماماً للنساء إضافة إلى خمس منازل للأئمة والمؤذنين وعدد من المكاتب الإدارية ومكتبة ومعارض للتسويق لخدمة الزائرين ، وبهذا تكون المساحة الإجمالية للمسجد ومرافقه الخدمة التابعة له 13500متراً مربعاً في حين كانت المساحة قبل التوسعة 1600متراً مربعاً فقط ، وتم تطوير وتجميل المنطقة المحيطة به وزودت بمواقف كبيرة للسيارات . والجدير بالذكر أنه بناء وتجديد المسجد في زمن قياسي هو اثنا عشر شهراً فقط ، وكان العمل يسير على مدار الساعة .

أعلى