المسجــــد الحــــرام

المسجــــدذكر الأزرقي والماوردي والسـهيلي - وفي كلام بعـضهم زيادة على بعض: كـان المسـجد الحـرام، أعني المحـيط بالكعبة فناء لها وفضاء للطائفين، ولم يكن له على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر جدار يحيـط به، فضيق الناس على الكعبـة، وألصـقوا دورهم بهـا، وكـانت الدور محدقة بالكعبة، وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية، فلما استخلـف عمر، وكثر الناس، قال: (لا بد لبـيت الله من فناء، وإنكـم دخلتم عليـه ولم يدخل عليكم) فـوسع المسجد واشـترى تلك الدور وهدمـها، وزاد في المسجد.
واتخذ للمسجد جدارا قـصيرا دون القامة، وكانت القناديل توضع عليه، وكان عمر أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام.
ثم لما استخلف عـثمان ابتاع منازل ووسـعه بها وبنى الأروقة للمسجد فيما ذكر الأزرقي والماوردي وغيرهما.
ثم إن ابن الزبير زاد في المسجد زيادة كـبيرة واشترى دورا من جملتها بعض دار الأزرق، اشترى ذلك البعض ببضعة عـشر ألف دينار وجعل فيها عـمدا من الرخام، ثم عمره عبـد الملك بن مروان ولم يزد فيه، ولكن رفع جداره وجلب إليه السواري في البحر إلى جدة، وسقفه بالسـاج، وعمـره عمـارة حسنة، ثم وسع ابنه الوليـد وحـمل إليـه أعمـدة الحـجـارة والرخام، ثـم زاد فيـه المنصور، وجـعل فيه أعـمدة الرخام، وزاد فيـه المهدي مرتيـن: إحداهما سنة ستين ومائة، والثانية سبع وستين ومائة، وفيها توفي المهدي واستقر بناؤه إلى الآن

أعلى

الكعبــة المشرفــة

الكعبــةأول بيت وضع للناس، ورفع عـلى قديم الأسـاس، بني مثالا للبيت المعـمور، ودعى إليه كل مأمور، وأذن إبراهيم صلوات الله عليه بالحج، ودعا إليه الناس فأتوه من كل فج، حجته الملائكة قبل آدم، وجاءته وعهده ما تقادم، ويقـال أنه لم يبق نبي حتى حـجه، ويعـد عدة أنبيـاء دفنوا في الحجـر منه، ولم تزل شعـائره مكرمة، ومشاعره محرمـة، عظم في الجاهلية والإسلام، وحرم من حيث بنيت الأعلام ( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) وهو البـيت المحجـوب، والمقصـود بالزيارة قصـد الوجوب، وبه الحجـر الأسود الذي هو يمين الله في أرضـه، والشاهد لمن حج وقبله بأداء فرضه، سـماء الدعاء، وحرم تحريم الدماء، يأمن به الحمام ساكنا، ومن دخله كان آمنا. قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا )وصـف الكعبـة المشرفةأركان الكعبة أربعة وهي حسب الطواف ( الركن الحجر الأسود ثم الركن العراقي ثم الركن الشامي أو المغربي ثم الركن اليماني ) وكلمة ركن يقصد بها ركن الحجر الأسود وإذا أطلقت كلمة الركنين فيراد بها الحجر الأسود والركن اليماني . وفي عهد إبراهيم عليه السلام كان ما بين الركنين العراقي والشامي على شكل قوس وقد ربعت الأركان في عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما . روازن الكعبة المشرفة هي المناور التي تدخل الضوء إلى جوف الكعبة المشرفة ، وقد جعل ابن الزبير لسطح الكعبة أربعة روازن غير روزن مدخل البرج إلى السطح ، وجعل إطار المناور من الرخام وظلت إلى عام 843هـ حيث ألغاها الملك الأشرف برسباي ليمنع دخول المطر داخل الكعبة المشرفة . ميزاب الكعبة المشرفةأول من وضع ميزاباً للكعبة قريش حين سقفت الكعبة ، وجعلت مصبه إلى حجر إسماعيل عليه السلام ، وحاكاهم عبد الله بن الزبير في ذلك ، ثم جعل عليه الوليد بن عبد الملك صفائح الذهب ، وبعد ذلك أصبح يجدد من قبل الخلفاء والأثرياء ، وآخر ميزاب كان من إهداء السلطان عبد المجيد خان عام 1273هـ وقد رخم في عهد الدولة السعودية الحالية أكثر من مرة . حجر إسماعيل عليه الصلاة والسلام هو الجزء المنحني الواقع شمال الكعبة المشرفة من جانب الميزاب ، ويسمى الحطيم لأنه حطم من البيت أي كسر منه حيث أنقصته قريش من البيت حين جددت بناء الكعبة المشرفة . وهو ساحة مرخمة عليها جدار على صورة نصف دائرة ، ذو فتحتين شرقية وغربية ، يرتفع عن الأرض بمقدار متر ونصف المتر تقريباً ، وعليه ثلاثة فوانيس إضاءة وزينة . وجزء منه بمقدار ستة أذرع وشبر يعتبر امتداداً للكعبة المشرفة وجزء منها . وقد رمم أكثر من خمس وعشرين مرة ، وكان يطلق عليه قبور عذارى بني إسماعيل ، وتعددت الروايات التاريخية التي تذكر أن إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر مدفونان فيه ، وقد ورد في روايات تاريخية أن ما تحت شعب الكعبة أي ميزابها موضع التزام مجاب فيه الدعاء .

أعلى

الملتــــزم

الملتــــزم"وهو الجزء الذي يقع بين ركن الحجر الأسود وباب الكعبة المشرفة ، ويقال له المدعى والمتعوذ ، وهو موضع استجابة للدعاء ، وهو الموضع الذي يسن إلصاق الخدين والصدر والذراعين والكفيه عليه مع الدعاء ضراعة إلى الله سبحانه وتعالى . المستجارويسمى أيضاً المتعوذ والمستجاب ، وهو ما بين الركن اليماني وموضع الباب المسدود خلف الكعبة المشرفة مسامتاً للملتزم ومقابلاً له ، ويسمى ملتزم عجائز قريش ، وهو موطن إجابة للدعاء من الله عز وجل . الحطيم يطلق عليه حجر إسماعيل عليه السلام ، كما يطلق على المساحة الواقعة بين حجر إسماعيل بما فيها الحجر وبين الحجر الأسود ومقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام وزمزم ، وهي التي تتحطم فيها الذنوب . الحجر الأسود وهو الذي يبدأ منه الطواف في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة المشرفة ، وأصله من يواقيت الجنة ، ولونه المغمور أبيض كلون المقام ، وهو موضع سكب العبرات ، واستجابة الدعاء ويسن استلامه وتقبيله ، وهو يمين الله في الأرض بمعنى أنه مقام مصافحة العهد مع الله على التوبة ، ويشهد يوم القيامة لكل من يحط الخطايا حطاً . وهو ملتقى الأنبياء والصالحين والحجاج والمعتمرين والزوار . باب الكعبة المشرفة كان باب الكعبة المشرفة أيام الخليل عليه الصلاة والسلام مجرد فتحة للدخول ، ثم جعل له الملك أسعد تبع الثالث أحد ملوك اليمن باباً بمصراع يغلق ويفتح ، ثم جعلته قريش بمصراعين ثم جدد الباب وحليته عدة مرات عبر التاريخ ، وله قفل ومفتاح مميز موضوع عند آل الشيبي لا ينازعهم فيه أحد وذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطول الباب 318 سم وعرضه 171 سم وارتفاعه عن الأرض من الشاذروان 222 سم المعجن هو حفرة صغيرة كانت موجودة لصق جدار الكعبة المشرفة من الجهة الشرقية بين الركن العراقي وباب الكعبة المشرفة ، ويقال إنها علامة موضع المقام في عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، والموضع الذي جعل فيه المقام مؤقتاً بعد إعادته حيث ذهب به سيل أم نهشل في عهد عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، ثم جاء عمر وأعاده إلى مكانه الأصلي . والحفرة أيضاً هي علامة مصلى الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بعد خروجه من الكعبة المشرفة وهي مصلى جبريل أيضاً . وقد سدت هذه الحفرة لتعثر الناس بها أثناء الطواف . وأبقى مكانه علامة مربعة بين الرخام وذلك عام 1377هـ ، ويقابلها على الشاذروان رخامة مميزة عليها كتابات صعبة القراءة . وتسمى الخفرة بالجب والبئر والأخسف والغيغب .

أعلى

مقــام إبراهيــم عليه الصـلاة والسـلام

مقــامويعتبر من لواحق الكعبة المشرفة ومن لواحق المسجد الحرام ، وهو الحجر الذي وقف عليه الخليل سيدنا إبراهيم عليه السلام أثناء بنائه للبيت ، وعند الآذان في الناس بالحج وكان يستقبله في صلاته عند الباب . وأثر أقدامه عليه الصلاة والسلام محفورة عليه فيه آية بينة ، وهو محل مغفرة لمن صلى خلفه ، ونزل فيه أمر إلهي باتخاذه مصلى . الشاذروان هو الوزرة المحيطة بأسفل جدار الكعبة المشرفة من مستوى الطواف ، و هو مسنم الشكل ومبني من الرخام في الجهات الثلاثة ما عدا جهة حجر إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، وهو جزء من الكعبة المشرفة على الأرجح ، ومثبت فيه حلقات يربط فيها ثوب الكعبة المشرفة ، ويقال إن أول من بناه عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ، لاستمساك البناء وحمايته من تسرب المياه إلى الأساسات ، وقد رمم وعمر عدة مرات . مصطبة الحراسةلقد أنشئت إلى جانب الحجر الأسود مصطبة ذات تكييف سفلي ، مرتفعة بجدار من رخام يرقى عليها جندي الحراسة لتنظيم عملية تقبيل الطائفيين للحجر الأسود . الدعائم التي داخل الكعبة المشرفة هي الأعمدة الثلاثة التي تحل سقفي الكعبة المشرفة ، وهي من عمل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ، قطر كل منها ذراع تقريباً ، والمسافة بين كل عمودين 2.35 متر . جب الكعبة المشرفة هو حفرة تقع على يمين الداخل إلى الكعبة المشرفة في جوفها ، جعلها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعمق ثلاثة أذرع لتكون مستودعاً لما يهدى للكعبة المشرفة ، وقد ظلت باقية إلى عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ، ثم أزيلت وتحولت خزانة الكعبة إلى دار بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، واستعيض عن الجب بإيجاد مشاجب ومعاليق لهدايا الكعبة المشرفة في الداخل .

أعلى

حجــر إســماعيل

حجــربناء مستدير على شكل نصف دائرة، أحد طرفيه محاذٍ للركن الشمالي، والآخر محاذٍ للركن الغربي، ويقع شمال الكعبة المعظمة، ويبلغ ارتفاعه عن الأرض 30ر1 متر، وقد ذكرت بعض الأخبار أن إسماعيل -عليه السلام- وأمه مدفونان في هذا المكان.
وسُمِّي بحجر إسماعيل؛ لأن إسماعيل -عليه السلام- قد اتخذ إلى جوار الكعبة حجرًا، وهو عريش من أراك، وهي الشجرة التي يتخذ منها السواك، وقيل سُمِّي بذلك؛ لأن قريشًا في بنائها تركت من أساس إبراهيم -عليه السلام-، وحجرت على الموضع ليعلم أنه من الكعبة.
وقد عرف حجر إسماعيل بعد ذلك باسم الحطيم، وقد سُمِّي بذلك؛ لأن البيت رفع وترك وهو محطوط، وقيل لأن العرب كانت تطرح فيه ما طاقت فيه من الثياب، فيبقى حتى يتحطم من طول الزمان وقيل سُمّي بالحطيم؛ لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالإيمان. فضل حجر إسماعيلعن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ما أبالي صليتُ في الحجر أو في الكعبة. أي أن الحجر جزء من داخل البيت، ومن صلَّى فيه فكأنما صلى في الكعبة.
وعن ابن أبي علقمة عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كنتُ أحب أن أدخل فأصلي فيه، فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيدي فأدخلني الحجر، فقال لي: صلِّي في الحجر إذا أردتِ دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت". وعن المبارك بن حسان الأنماطي قال: رأيتُ عمر بن عبد العزيز في الحجر فسمعتُه يقول شكا إسماعيل -عليه السلام- إلى ربه حرَّ مكة، فأوحى الله إليه "إني أفتح لك بابًا من الجنة يجري عليك منه الرُّوح إلى يوم القيامة"، وفي ذلك الموضع تُوفّي، قال خالد: فيرون أن ذلك الموضع ما بين الميزاب إلى باب الحجر الغربي فيه قبره.
كما روي عن عبد الله بن صفوان الجمحي قال: حفر ابن الزبير الحجر، فوجد فيه سفطًا من حجارة خضر؛ فسأل قريشًا عنه فلم يجد عند أحد منهم فيه علمًا، قال: فأرسل إلى عبد الله بن صفوان فسأله فقال: هذا قبر إسماعيل -عليه السلام- فلا تحركه قال: فتركه.
عن محمد بن سوقة قال: كنا جلوسًا مع سعيد بن جبير في ظل الكعبة فقال: أنتم الآن في أكرم ظل على وجه الأرض.
وعن عمرو بن دينار عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا يحلف بين المقام والبيت في الشيء اليسير أخاف أن يتهاون الناس به. وعن عكرمة بن خالد قال: رأى عبد الرحمن بن عوف جماعة عند المقام فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يستحلف، قال: أفي دم؟ قالوا: لا، قال أفي مال عظيم؟
ويبدو من القراءة التاريخية أن الحجر كان محل اهتمام من الملوك والأمراء، سواء كانوا ملوك وأمراء الحجاز ومكة، أم أمراء وملوك الدول العربية والإسلامية؛ فلقد كانت الحجر حجارته بادية، وأبو جعفر المنصور يحج فرآها، فقال: لا أصبحن حتى يُستَر جدار الحجر بالرخام، فدعا بالعمال فعملوه على السرج قبل أن يصبح، وجدد رخامه المهدي، وكان تبطين البلاط بالرخام عام 161هـ، وكان رخامًا أبيض وأخضر وأحمر وكان مداخلاً بعضه في بعض أحسن من هذا العمل، ثم لما تكسر جدده أبو العباس عبد الله بن داود بن عيسى وهو أمير مكة سنة إحدى وأربعين ومائتين، ثم جدَّد بعد ذلك سنة ثلاث وثمانين ومائتين في خلافة المتوكل.
وقام بتجديده وعمّره الناصر العباسي سنة 576هـ، والمستنصر العباسي سنة 631هـ، والملك المظفر صاحب اليمن سنة 659هـ، والملك محمد بن قلاوون سنة 720هـ، والملك علي بن الأشرف شعبان سنة 781هـ، والملك الظاهر برقوق سنة 801هـ، ثم جرت إصلاحات مختلفة فيه سنة 822هـ، وعمّره الملك قانصوة الغوري (916هـ)، والسلطان قايتباي سنة 888هـ، والسلطان عبد المجيد خان 1260هـ.
من المعلوم تاريخيًّا أنه لم تجرِ عادة بوضع كسوة على الحجر، غير أنه في عام (852)هـ وصلت كسوة إلى الحجر مع كسوة الكعبة من مصر؛ فوُضِعت في جوف الكعبة، ثم كُسي بها الحجر من الداخل في السنة التالية. الجلوس في الحجرروى ابن جريج أنه كان يجلس مع ابن عباس في الحجر، وكان لعبد المطلب مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره، ولا يجلس معه عليه أحد، ولم ينل شرف الجلوس عليه إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو غلام؛ فقد دخل الحجر وأراد الجلوس عليه، ولكن القوم منعوه من الجلوس عليه، فقال عبد المطلب، دعوا ابني فإنه يحس بشرف، أرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قط.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لو كان عندي سعة قدمت في البيت من الحجر أذرعًا، وفتحت له بابًا آخر يخرج الناس منه"، وعن سعيد بن جبير أن عائشة -رضي الله عنها- سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يفتح لها الباب ليلاً؛ فجاء عثمان بن طلحة بالمفتاح إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله: إنها لم تُفتَح بليل قط؛ فلا تفتحها، ثم قال لعائشة: إن قومك لما بنوا البيت قصرت بهم النفقة؛ فتركوا بعض البيت في الحجر؛ فادخلي فصَلِّي فيه

أعلى

بئــــر زمــــزم

بئــــرتبعد نحو 18 متراً من موقع الحجر الأسود إلى الشرق من باب الكعبة وهي خلف مقام إبراهيم ( عليه السلام ) وإلى اليسار منها علامة واضحة على قطعة مستديرة من الرخام مكتوب عليها ( بئر زمزم ) تشير إلى تعامدها مع فتحة البئر الموجودة تحت مستوى المطاف بعمق 1.56سم . وهذه البئر هي أقدس آبار المياه عند المسلمين ، وليس هناك شراب على وجه الأرض يفوق مكانة ماء زمزم عندهم ، وهم يعطون لهذا الماء ذي الطعم الفريد ، قدسية خاصة ، ويؤمنون بأنه مكنوز بأسرار لا قبل للعقل البشري في استيعابها ، أو تفسير تغير خواصه ومنافعه وفق حالة شاربه ورغبته
وهو في لغة العارفين بريد الأمنيات المحققة ، ولا يخالط قلوبهم ذرة شك في أن ماء " زمزم لما شرب له " ، وبأنه كفيل بتحقيق أمنيات شاربه مهما كانت ، شرط أن يكون مؤمناً صادق الإيمان والنية ، غير مكذب لخاصيته ولا مجربا لها ، وهم يؤكدون أن الله مع المتوكلين وهو يفضح المجربين ، فشرب زمزم عندهم للخائف أمان "،وللمريض شفاء وللجائع طعام ، ولإيمانه القاطع بأسراره ، أي عجب أو استنكار فيما لو تغير حاله من محض ماء إلىشراب من سويق أو لبن أو عسل مصفى ، للمنقطعين والعاكفين في البيت العتيق , والمرويات حول هذه الغرائب كثيرة ، ناءت بحملها بطون الكتب الدينية وأسفار التاريخ والسير .
وما يزيد هذه البئر شرفاً عند المسلمين أنه حفرت بجناح جبريل ، وساقت الملائكة مياهها من أنهار الجنة غياثاً للسيدة هاجر وابنها الرضيع إسماعيل ( عليهما السلام ) وسقيا لضيوف الرحمن ، وليكون آية للناس على مر العصور والأزمان .
وكانت رئاسة شؤون الحرمين الشريفين ، وهي الجهة التي تتولى مسؤولية العناية بالمسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف بالمدينة ، قد اكملت مشروع توسعة صحن الطواف المحيط بالكعبة المشرفة ليستوعب الآن نحو ثلاثة أضعاف عدد الطائفين عما كان في السابق ، وقامت بردم مدخل البئر السابق المقام إلى الجنوب الشرقي من واجهة الكعبة المشرفة ، وتسقيف سطحه المفتوح ليدمج مع صحن الطواف ، ونقل المدخل إلى خارج الحرم من جهة الصفا في المسعى باتجاه جبل أبي قبيس . ويهدف المشروع لمواجهة كثافة أعداد الحجاج والمعتمرين بعد موافقة الحكومة السعودية على فتح باب العمرة واستقبال نحو 10 ملايين معتمر طوال تسعة أشهر من السنة .
ولا يعرف كثيرون أن بئر زمزم هي بئر الماء الوحيدة التي تشرف عليه وزارة للبترول في العالم ، وهي البئر رقم (1) في سلم اهتمام ملوك آل سعود وبموجب ارادة سامية تشرف وزارة البترول والثروة المعدنية في الحكومة السعودية على بئر زمزم باعتبارها ثروة قومية ودينية للبلاد .
بأنه حل جيد من ناحية توسعة المطاف لكنه ، في المقابل يؤيد مشاهدة الناس لبئر زمزم وبأي وسيلة كانت " كانت هناك فكرة لتسقيف سطح البئر بالزجاج الشفاف ، لكن المشكلة أنه سيكون عائقاً جديداً نتيجة تجمهر الناس عليه لرؤية البئر مما سيتسبب في مضايقة الطائفين ، أمام وخلف مقام إبراهيم ( عليه السلام ) ، وخط بداية الطواف الجديد .
ويؤكد كوشك وهو أو خبير سعودي في المياه والذي أشرف على دراسة تاريخيه لبئر زمزم في العام 1401هـ أنه : " لم تخرج بئر زمزم من ساحة الحرم ، وهي موجودة في مكانها تحت مستوى صحن الطواف منذ توسعة خادم الحرمين الشريفين للمسجد الحرام ، وهي محاطة بسياج من ألواح الزجاج السميك ليتمكن الناس من مشاهدتها قبل المشروع الجديد بهدف منع الروائح النافذة التي كانت تنتج من اغتسال بعض الحجاج والمعتمرين والمصلين ، والذين كانوا يستخدمون ماء زمزم بشكل سيء .
وقديماً كان على البئر بناء تعلوه قبة مساحته 88.8 متر مربع يحتوي على غرف مستودعات ومستبرد لدوارق ماء زمزم تم هدمه ما بين عام 1381 ـ 1388هـ لتوسعة المطاف . وتم عمل بدروم مكيف أسفل المطاف بمدخل منفصل للرجال والنساء . ويمكن روية البئر من خلف حاجز زجاجي شفاف . كما استبدلت أيضاً طريقة الشرب القديمة التي كانت تعتمد على جلب الماء بالدلاء من جوف البئر ، إلى اعتماد أنظمة حديثة توفر ماء زمزم عبرنظم سقاية حديثة لتوفيره مفلتراً وبارداً ومعالجا بالأشعة فوق البنفسجية.
تم عمل نفق أرضي من خارج الحرم للوصول إلى البئر وهو خاص بعمليات الصيانة فقط ، وكان هناك رأيان حول استخدامات هذا النفق . الأول أن يتاح للراغبين في رؤية البئر الدخول منه من دون السماح بالاغتسال فيه ، والرأي الآخر استبعد ذلك لعدة عوامل منها أن مسافة النفق طويلة ( نحو نصف ميل ) ، ومساحته ضيقة ، ويحتاج إلى أنظمة تهوية وإنارة وإجراءات أمنية ".
ولماء زمزم أسماء تزيد عن ( 60 ) اسماً أشهرها زمزم ، وسقيا الحاج ، وشراب الأبرار ، وطيبة ، وبره ، وبركة ، وعافية . وتمت عدة دراسات علمية بهدف معرفة مصادرها من المياه . وخلصت هذه الدراسات إلى أن بئر زمزم تستقبل مياهها من صخور قاعية تكونت من العصور القديمة ، وذلك عبر ثلاثة تصدعات صخرية تمتد من الكعبة المشرفة والصفا والمروة وتلتقي في البئر .
ويقول مدير مبيعات مياه ( أفيان ) الفرنسية أن شركة فرنسية اخترعت جهازاً دقيقاً في تحليل تركيب المياه وقدمت لتسويقه في السعودية ، وقام ممثل الشركة بعرض إمكانيات الجهاز الحديث أمام مندوبي وكلاء المياه المحلاة والمعدنية المستوردة إلى السوق المحلي تبين فيه أن ماء زمزم كان أنقى المياه التي تم اختبارها في هذا الجهاز " . وهو يحمل شهادة الدكتواره في هندسة البيئة من جامعة واشنطن الأمريكية العام 1971 مياه بئر زمزم وفق التحديد الذي قام به مع الفريق العلمي الذي رأسه عام 1400هـ ونشر نتائجه في كتابه ( زمزم ) بقوله : " المصدر الرئيسي فتحة تحت الحجر الأسود مباشرة وطولها 45 سم ، وارتفاعها 30سم ، ويتدفق منها القدر الأكبر من المياه .
والمصدر الثاني فتحة كبيرة باتجاه المكبرية ( مبنى مخصص لرفع الآذان والإقامة مطل على الطواف ) ، وبطول 70 سم ، ومقسومة من الداخل إلىفتحتين ، وارتفاعها 30سم وهناك فتحات صغيرة بين أحجار البناء في البئر تخرج منها المياه ، خمس منها في المسافة التي بين الفتحتين الاساسيتين وقدرها متر واحد . كما توجد 21 فتحة أخرى تبدأ من جوار الفتحة الأساسية الأولى ، وباتجاه جبل أبي قبيس من الصفا والأخرى من اتجاه المروة . ويبلغ عمق البئر 30 متراً على جزئين الجزء الأول مبنى عمقه 12.80متراً عن فتحة البئر ، والثاني جزء منقور في صخر الجبل طوله 17.20متر ، ويبلغ عمق مستوى الماء عن فتحة البئر حوالي أربعة أمتار ، وعمق العيون التي تغذي البئر عن فتحة البئر 13 متراً ومن العيون إلى قعر البئر 17 متراً " ووضعت أربع مضخات قوية جداً كانت تعمل على مدار 24 ساعة ، وبمعدل ضخ وصل إلى 8000 لتر في الدقيقة ، كان منسوب المياه من الفوهة 3.23متر ، وكانت القراءة تتم كل نصف دقيقة ، حتى وصل منسوب المياه في داخل البئر 12.72متر ، ثم وصل إلى 13.39متر ، وفي هذا العمق توقف هبوط الماء في البئر ، لوما تم توقيف المضخات بدأ الماء يرتفع حتى وصل إلى 3.9متر خلال إحدى عشرة دقيقة " .
وسجل مشاهداته بقوله : " لن أنسى ما حييت هذا المنظر الرهيب ، كانت المياه تتدفق من هذه المصادر بكميات لم يكن يتخيلها أحد ، وكان صوت المياه وهي تتدفق بقوة يصم الآذان " .
وينفى أن تكون لعمليات حفر الأنفاق في الجبال وحفريات الأساسات العميقة للأبراج السكنية المحيطة بالحرم أي تأثير في التركيب الجيولوجي لمسار مياه زمزم أو اختلاطها بمصادر أخرى سواء من الآبار أو غيرها ، وقال : هذا لم يحدث أباداً ، وشرح مزيداً للتوضيح : " وفقاً للدراسات التي قمنا بها وجدنا أنه عندما تهطل الأمطار على مكة المكرمة ويسيل وادي إبراهيم يزداد منسوب مياه زمزم زيادة طفيفة في البئر . ولكن عندما تهطل الأمطار على المناطق المحيطة بمكة كالطائف وغيرها تزداد المياه زيادة عظيمة في بئر زمزم ، ومعنى هذا أن المصدر الأساسي للبئر هو الجبال المحيطة بمكة والتصدعات الصخرية الموجودة فيها.

أعلى

جبـــل عــــرفات

جبـــلكلمة عرفات ليست جمعاً لعرفة ، وإنما هي مفر لصيغة الجمع وعرفة تعني المشعر الاقصى من مشاعر الحج ، وهو الوحيد الذي يقع خارج حدود الحرم وهو المشعر الذي يقف عليه الحجيج بعد صلاة الظهر من يوم التاسع من ذي الحجة.
وتقع عرفة على الطريق بين مكة والطائف شرقي مكة بنحو 22 كلم وعلى بعد 10 كلم من منى و 6 كلم من مزدلفة ، ويقرب طول عرفة ميلين وعرضها كذلك ،وهي سهل منبسط محاط بسلسلة من الجبال على شكل قوس كبير ، وحدود عرفة من ناحية الحرم هي نمرة وثوية وذي المجاز والاراك لذلك لا يجوز للحاج الوقوف بإحدى هذه الاماكن لانها خارج عرفة ، أما الحدود الثلاث الاخرى لعرفة فهي سلسلة من جبال سوداء أبرزها أم الرضوم وقد وضع لعرفة علمان يرمزان إلى بدايتها وعلمان يرمزان لنهايتها توضيحا لمن يجهل ذلك وبين الاعلام تقع بطن عرنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة وقد سميت عرفة بهذا الاسم لأن جبرائيل عرف إبراهيم عليه السلام المناسك كلها ، فلما وقفه بعرفة قال له: عرفت قال:نعم فسميت عرفة ويقال سميت عرفة لأن العرف يعني الصبر ، وذلك لما يكابد الحاج في الوصول إليه ويقال سميت بعرفة لتعارف والتقاء آدم عليه السلام مع حواء فيها ومن معالم عرفات جبل عرفة الذي يقف عليه الحجيج يوم التاسع من ذي الحجة تتبعا لسنة نبيهم محمد عليه الصلاة والسلام ، ووجود مسجد نمرة الذي يصلى فيه الحجيج الظهر والعصر جمع تقصير في نفس اليوم.

أعلى

منــــــــى

منــــــــى"سميت بمنى لما يمنى بها من الدماء وقيل سميت بذلك لاجتماع الناس بها وتقع منى بين مكة ومزدلفة ، وفيها يبيت الحجيج ليالي 10 و 11 و12 من ذي الحجة تأسيا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتقع منى داخل حدود الحرم ، وبها رمى إبراهيم عليه السلام الجمرات الثلاث ، الصغرى والوسطى وجمرة العقبة الكبرى ، وكذلك يفعل الحجيج في ايام التشريق. وبها ذبح إبراهيم عليه السلام كبشاً بدل ولده اسماعيل عليه السلام ، وبمنى تمت بيعة الانصار المعروفة ببيعة العقبة الاولى والثانية بين الرسول عليه الصلاة والسلام والانصار وبها ايضا نزلت سورة النصر أثناء حجة الوداع قال تعالى: "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا" صدق الله العظيم مسجد الخَيفالخيف بفتح الــــــخاء وسكون الياء ..ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء ..ومنه سمـــي مسجد الخيف ,ويقع في سفح جبل منى الجنوبي قريبا من الجمرة الصغرى وقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم والانبياء من قبله فعن يــزيد بن الاسود قال :شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف.
وقد كان هذا المسجد موضع اهتمام وعناية خلفاء المسلمين على مرالتاريخ وتمت توسعته وعمارته في سنة 1407هـ - 1987م وبه أربع منائر وهو مكيف بـ 410 وحدة تكييف كما يساعد على تلطيف الهواء في المسجد 1100 مروحة ويليه مجمع دورات المياه ويوجد به اكثر من الف دورة مياه وثلاثة آلاف صنبور للوضوء. المشعر الحرامقال تعالى ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ) صدق الله العظيم ( البقرة 195 )
المشعر الحرام: قـزح، وهو الجبل الذي يقف عليـه الإمام وعليه الميقدة، وقيل: المـشعر الحرام ما بـين جبلي المزدلفـة إلى مازمـي عرفـة إلى وادي محسـر، وليس المازمان ولا وادي محسر من المشـعر الحرام، والصحيح أنه الجـبل لما روى جـابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( صلى الفـجـر بالمزدلفة ركب ناقته حتى أتي المشعـر الحرام، فدعا وكبر وهلل، ولم يزل واقفا حتى أسفر ). وقوله عند المشعر الحرام مـعناه: مما يلي المشعر الحرام قريبا به، وذلـك للفضل، كالقرب من جـبل الرحمة، وإلا فالمزدلفـة كلها موقف إلا وادي محسـر، وجعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر، ومتصلة به عند المشعر، وقـيل: سميت المزدلفة وجمعا لأن آدم اجتمع فيها مع حواء وازدلف منها، أي دنا منها.
وقال قتادة: لأنه يجمع فـيها بين الصلاتين. ويجوز أن يكون وصفت بـفعل أهلها لأنهم يزدلـفون إلى الله تعـالى، أي يتقـربون بالوقـوف فيـهـا، وعن علي: لما أصـبح رسـول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قـزح فقـال: ( هذا قزح، وهذا الموقف، وجمع كلها موقف ).

أعلى

غــــار حــــراء

غــــارمع سن السابعة والثلاثين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم ينطلق إلى غار حراء، وقد حبَّب الله تعالى إليه الخلوة فيه، فكان يخلو بنفسه شهر رمضان يتحنث، فإذا مرَّ به مسكين أو عابر سبيل أطعمه وسقاه، ثم يرجع إلى أهله يتزود لمثلها، حتى فجأه الوحي بعد ثلاث سنوات، ليلقي على قلبه النقي الحافظ قول الله تعالى [ اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5). يقع غار حراء في جبل النور، يبتعد عن مكة نحو ثلاثة أميال، طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع، يتسع للرجل البدين، ويقف فيه الرجل الفارع، ويتسع لبضعة رجال يصلون ويجلسون، ويستطيع من فيه أن يشرف على الكعبة لأنحاء فيه، كما يمكنه رؤية الجبال المحيطة بالمنطقة، وقد عُرف الغار بهذا الاسم قديماً .
الموقع المتميز للغار يشير إلى حكمة الله البالغة في اختياره، ليكون مكان تحنث الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، فهو بعيد عن أهل مكة وأصنامها، وبعيد عن مجالس اللهو وفسادها، وشواغل الدنيا وكدرها، وضجة الحياة وصخبها، وهموم الناس الصغيرة وتفاهتها. وفي هذا الجو الساكن الباعث على الهدوء، تستطيع النفس الزكية، نفس محمد صلى الله عليه وسلم أن تنطلق من عالم الشهادة المزدحم إلى عالم الغيب الرحيب، وتتأمل في واقع الحياة، التي تقف فيها الأصنام معبودة من دون الله، وتقطع فيها الأرحام، وترتكب فيها الآثام، وتبدد فيها سمات النخوة والاحترام، ويسود فيها الشر والظلم والفساد والغلظة والكذب والخيانة، ثم تتمنى نفسه الطاهرة أن يرجع الناس إلى رشدهم، وأن تسود مبادئ الخير والعدل والإحسان والرحمة والصدق والأمانة.
تلك المبادئ التي كانت واقعاً حياً في سلوك محمد صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، وشهد به أهل مكة جميعاً، وقررته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها حين جاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرها بالوحي الأول، وبما سمعه من ذلك الملك الكريم جبريل عليه السلام، فقالت بثقة واثقة: "والله لا يخزيك الله أبداً... إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
وبهذا التفكير الراقي، ولمثل هذه التأملات كان غار حراء أنسب مكان، ولذلك كان اختيار الله العليم الحكيم له.
وغار حراء يشرف من بعيد على الكعبة المشرَّفة، فكأنه يربط قلب محمد صلى الله عليه وسلم بأطهر بقعة على وجه الأرض، ويأخذ به إلى عالم التوحيد الخالص لله رب العالمين من خلال عبادة التفكر، وقد حقق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هذا الترابط الوثيق بينه وبين الكعبة، فكان أول ما يفعله بعد تركه للغار هو الطواف بالبيت سبعاً، أو ما شاء الله له أن يطوف، ثم يرجع إلى بيته، فكأنه كان يريد أن يختم فترة تجوله القلبي بتجول أو تطويف قالبه حول الكعبة، ليجتمع له صفاء القلب مع طهارة القالب ونقائه.
وغار حراء في مكان مرتفع، فهو يشرف على الجبال، التي تبدو أمام الناظر إليها من الغار كأنها ما بين راكعة وساجدة لخالق هذا الكون، وهذا المنظر يوحي في النفس رهبة خاصة للخالق العظيم، ويجدد مشاعر التقديس والتعظيم لله الواحد سبحانه، ويثير في الشعور الإحساس بالقدرة الإلهية الفائقة في هذا الوجود. ويشرف الغار أيضاً على جبل عرفات، وهو من أكبر مناسك الحج وأركانه، وبهذا يرتبط الناظر إليه بشعيرة الحج التي تطهِّر فاعلها من الذنوب والآثام، وتذكِّر بمنسك من شريعة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، تلك الشريعة التي ما بقى منها إلا القليل.

أعلى